أبو نصر الفارابي
63
الجمع بين رأيي الحكيمين
الربوبية ص 4 ) فإذا استغرقنى ذلك النور والبهاء ، ولم أقو على احتماله ، هبطت من العقل إلى الفكر والروية ، فإذا صرت في عالم الفكر والروية ، حجبت الفكرة عني ذلك النور والبهاء ، فابقى متعجبا كيف انحدرت من ذلك الموضع الشامخ الإلهي ، وصرت في موضع الفكرة ، بعد ان قويت نفسي على تخليف بدنها ، والرجوع إلى ذاتها ، والترقي إلى العالم العقلي ، ثم إلى العالم الإلهي ، حتى صرت في موضع البهاء والنور ، الذي هو علة كل نور وبهاء . ومن العجب اني كيف رأيت نفسي ممتلئة نورا ، وهي في البدن كهيئتها ، وهي غير خارجة منه » ( نفس المصدر ص 8 ) ذلك أرسطو كما عرفة الشرقيون ، وكما عرفة الفلاسفة المشاءون الأولون في الإسلام ( الفارابي وابن سينا ) . وكان لكتاب الربوبية هذا اثر عميق في التصوف الاسلامي . ويلاحظ هنا ان كتب المذهب الافلاطوني الجديد تشرح مذاهب فلاسفة اليونان وتوفق بينها ؛ فجرى بعض مفكري الإسلام على هذا المنهج . وهذا ما يفسر لنا محاولة الفارابي في الجمع بين رأيي الحكيمين : أفلاطون وأرسطو . البواعث على الترجمة لقد ذكرنا سابقا الأسباب التي دعت خالد بن يزيد يهتم بالصنعة ويطلب ترجمة الكتب الخاصة بها « 1 » . اما في العصر العباسي فالأسباب عديدة : كانت أول عناية الخلفاء العباسيين موجهة إلى الطب والتنجيم . والسبب في ذلك الحاجة الماسة إلى هذين العلمين . فالمنصور كان ممعودا ، وكان يعتقد ان هناك ارتباطا بين حركات النجوم وأوضاعها وبين ما يحدث في عالمنا من نحس أو سعد . فاستقدم الأطباء والمنجمين وأصبح الطب والتنجيم علمين رسميين يتولاهما رجال رسميون : فجورجيوس ابن جبرائيل بن بختيشوع الجندياسبوري صار طبيبا للمنصور . ثم لما تقدمت به السن عين المنصور مكانه تلميذه عيسى بن شهلاثا . كما أنه اتخذ نوبخت الفارسي منجما له ، فلما ضعف عين المنصور مكانه ابا سهل بن نوبخت . واستشار المنصور المنجمين في تعيين الوقت الملائم لبناء بغداد . ولما تولى المهدي اتخذ طبيبه عيسى الصيدلاني ، الملقب بابي قريش ، كما أنه اتخذ توفيل بن توما النصراني الرهاوي رئيسا لمنجميه . ولما هم المهدي بالخروج إلى « ما سبذان » استشار توفيل .
--> ( 1 ) انظر أعلاه : الترجمات العربية في العصر الأموي .